الشيخ محمد رشيد رضا

372

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والسّلام على فضائلها بعد مصابها بزوجها بذلك فلم يدعها أرملة تقاسى الذل الذي كانت تجير منه الناس وقد ماتت في حياته وتزوج بعدها أم سلمةو اسمها هند ) وكانت هي وزوجهاعبد اللّه أبو سلمة بن أسد بن عمة الرسول برة بنت عبد المطلب وأخوه من الرضاعة ) أول من هاجر إلى الحبشة وكانت تحب زوجها وتجله حتى إن أبا بكر وعمر خطباها بعد وفاته فلم تقبل ، ولما قال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « سلى اللّه أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرا » قالت : ومن يكون خيرا من أبى سلمة ؟ فمن هنا يعلم السائل وغيره مقدار مصاب هذه المرأة الفاضلة بزوجها وقد رأى صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لاعزاء لها عنه إلا به ، فخطبها فاعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام ، فأحسن عليه السّلام الجواب - وما كان إلا محسنا - وتزوج بها ، وظاهر أن ذلك الزواج ليس لأجل التمتع المباح له وإنما كان لفضلها الذي يعرفه المتأمل بجودة رأيها يوم الحديبية ولتعزيتها كما تقدم وأما زواجه بأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب فلعل حكمته لا تخفى على إنسان عرف سيرتها الشخصية وعرف عداوة قومها في الجاهلية والاسلام لبنى هاشم ورغبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تأليف قلوبهم ، كانت رملة عند عبيد اللّه بن جحش وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر هناك وثبتت هي على الاسلام . فانظروا إلى إسلام امرأة يكافح أبوها بقومه النبي ويتنصر زوجها وهي معه في هجرة معروف سببها ، أمن الحكمة أن تضيع هذه المؤمنة الموقنه بين فتنتين ؟ أم من الحكمة أن يكفلها من تصلح له وهو أصلح لها ؟ كذلك تظهر الحكمة في زواج صفية بنت حيى بن أخطب سيد بنى النضير وقد قتل أبوها مع بني قريظة وقتل زوجها يوم خيبر ، وكان أخذها دحية الكلبي من سبى خيبر فقال الصحابة يا رسول اللّه إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بأن تكون أسيرة عند من تراه دونها فاصطفاها وأعتقها وتزوجها ووصل سببه ببنى إسرائيل وهو الذي كان